غزة / معتز شاهين:
حذّر محللان سياسيان من التداعيات القانونية والسياسية لمقترح “مجلس السلام” المزمع لإدارة قطاع غزة، معتبرين أن البنود المتداولة بشأن منح حصانة قانونية واسعة وصلاحيات موسعة على الممتلكات العامة قد تمسّ جوهر السيادة الفلسطينية وتعيد تشكيل بنية الحكم في القطاع.
وأشار المحللان، في حديثين منفصلين مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الأحد، إلى أن غياب آليات المساءلة والرقابة المحلية الفعّالة قد يفتح الباب أمام إدارة غير خاضعة للرقابة القضائية، بما ينعكس على آليات اتخاذ القرار وإدارة الموارد العامة.
كما نبّها إلى أن هذه الترتيبات قد تؤدي إلى تقليص دور المؤسسات الفلسطينية في الإشراف على الأصول العامة وتوجيه السياسات الإدارية والاقتصادية، خصوصًا فيما يتعلق بملف إعادة إعمار قطاع غزة.
وكشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، استنادًا إلى مسودة قرار مسرّبة، عن إطار مقترح لإدارة قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، يتضمن منح أعضائه والعاملين معه حصانات قانونية واسعة.
ووفقًا للصحيفة، تتضمن المسودة، المؤلفة من أربع صفحات والمصنفة “حساس – غير سري” والمؤرخة في يونيو/حزيران 2026، صلاحيات تتعلق باستخدام المرافق والممتلكات العامة، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية بشأن آليات المساءلة وإدارة الأصول العامة في القطاع.
كما تنص المسودة على منح حصانة قانونية واسعة تشمل أعضاء المجلس والتكنوقراط والقوات الدولية والمتعاقدين الأجانب، بما يمنع ملاحقتهم قضائيًا داخل غزة، مع إمكانية رفع الحصانة بقرار من رئيس المجلس وبموافقة الأغلبية.
وتمنح الوثيقة المجلس حق استخدام الممتلكات والمنشآت العامة دون مقابل، كما تتضمن مقترحًا بإنشاء قوة دولية بمهام أمنية تشمل نزع سلاح المقاومة، ضمن ترتيبات إعادة الإعمار.
هيمنة خارجية
الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا حذّر من التداعيات القانونية والسياسية لمقترح “مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة، مشيرًا إلى أن البنود المتداولة بشأن الحصانة الواسعة ومنح صلاحيات على الممتلكات العامة قد تؤدي إلى “تغيير جوهري في بنية الحكم داخل القطاع” على حساب السيادة الفلسطينية.
وأوضح القرا، في حديثه مع صحيفة "الاستقلال"، أن منح أعضاء المجلس والقوات الدولية والمتعاقدين حصانة من الملاحقة القضائية المحلية “يفتح الباب أمام غياب فعلي للمساءلة”، خاصة في حال صدور قرارات تتعلق بإدارة أو مصادرة أصول عامة أو إعادة تشكيل الواقع الإداري في القطاع.
وأضاف أن هذه الصيغة، وفق ما تطرحه المسودة، قد تؤدي إلى “تغليب منطق الإدارة المفروضة خارج الإطار الوطني”، محذرًا من أن ذلك قد ينعكس على قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة دورها الرقابي والقانوني.
وفيما يتعلق بمنح المجلس صلاحيات تتصل بالمقرات والمنشآت العامة، اعتبر القرا أن ذلك يثير تساؤلات جوهرية حول الجهة المخوّلة بإدارة هذه الأصول والرقابة عليها، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى “تآكل تدريجي في مفهوم السيادة الفلسطينية داخل غزة”.
وأشار إلى أن استمرار العمل بمثل هذه الترتيبات دون رقابة فلسطينية فعالة قد يفتح المجال أمام “إعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري في القطاع بما يتقاطع مع مصالح قوى دولية وإقليمية”، لافتًا إلى أن هذا المسار قد يضعف دور المؤسسات الوطنية ويحدّ من قدرتها على اتخاذ القرار.
وأكد أن الإشكالية الأساسية في هذا الطرح تتمثل في “غياب آليات المساءلة والمراجعة القضائية”، ما قد يخلق بيئة قانونية وإدارية غير متوازنة تتداخل فيها الصلاحيات دون وضوح في مرجعيات القرار أو حدود المسؤولية.
حكم خارجي
وبالمنطق التحليلي نفسه، أكد الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الصباح أن أي ترتيبات من هذا النوع قد تؤدي إلى إدارة غير خاضعة للرقابة المحلية، مشيرًا إلى أن تقليص أدوات المساءلة ينعكس مباشرة على طريقة إدارة الأصول العامة وتوجيه الموارد.
وحذّر الصباح، خلال حديثه مع "الاستقلال"، من أن الصيغة المطروحة ضمن ما يُعرف بـ“مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة قد تحمل مخاطر كبيرة على مستوى إدارة الممتلكات العامة واتخاذ القرار السيادي، في حال غياب رقابة فلسطينية فعلية ومؤسسات محاسبة مستقلة.
وقال إن أي نموذج يمنح صلاحيات واسعة لجهة إدارية خارج الإطار الوطني، مع حصانة قانونية تقلل من إمكانية المراجعة القضائية، يفتح عمليًا الباب أمام إدارة غير خاضعة للمساءلة المحلية، محذرًا من أن ذلك قد يتيح التصرف بالممتلكات العامة أو اتخاذ قرارات مصيرية دون رقابة فعّالة.
وأضاف أن الخطورة لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى مستقبل إعادة إعمار قطاع غزة، مشيرًا إلى أن إدارة الموارد والمشاريع الكبرى دون مرجعية وطنية واضحة قد تؤدي إلى “توجيه عملية الإعمار وفق اعتبارات سياسية وإدارية خارج الأولويات الفلسطينية”.
وأوضح الصباح أن إعادة الإعمار في أي سياق مشابه تتطلب وجود سلطة قرار فلسطينية واضحة وشفافة، لأن غياب ذلك قد يؤدي إلى “تجزئة القرار الاقتصادي والإداري وربط مشاريع الإعمار بشروط خارجية لا تعكس احتياجات السكان الفعلية”.
وأشار إلى أن المخاطر المحتملة لا تتعلق فقط بملكية الأصول العامة، بل أيضًا بطريقة توزيع الموارد وإدارة البنية التحتية، محذرًا من أن ذلك قد يخلق واقعًا إداريًا “غير متوازن” يضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على التخطيط والسيطرة على مسار التنمية.
وختم الصباح بالتأكيد على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تراعي مبدأ السيادة والمساءلة، باعتبارهما شرطين أساسيين لضمان أن تكون عملية إعادة إعمار غزة “عملية وطنية خالصة وليست إدارة مفروضة من الخارج”.


التعليقات : 0